الرئيسيةكتابات راي

الامارات في الصومال وأفريقيا.. دبلوماسية ناجحة ومساعدات متواصلة وجهود كبيرة في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه

شهدت الفترة الفائتة حراكاً فعّالاً على صعيد العلاقات الإماراتية- الإفريقية، ولاسيما على مستوى الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الإماراتيين ونظرائهم الأفارقة، وأحدثها زيارة الدكتور ثاني الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية للكاميرون في 30 نوفمبر المنصرم لتوسيع التعاون الاقتصادي الإماراتي-الكاميروني، وانخراط الدبلوماسية الإماراتية في التعاطي مع القضايا الإفريقية، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، ولاسيما في غرب القارة، ودعم التعاون الدولي ضد القرصنة في خليج غينيا، ودعم الاستقرار في الصومال وإثيوبيا بحكم عضوية الإمارات في مجلس الأمن الدولي.

وكان مختبر الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية والتعاون الدولي قد أعلن، في أكتوبر المنصرم، عن إطلاق منصة الشراكة الإماراتية-الإفريقية، التي تهدف إلى تعزيز شراكة دولة الإمارات مع دول إفريقيا جنوبي الصحراء، ومد جسور التواصل والتبادل الحضاري والثقافي والمعرفي والاقتصادي معها. 

وفي إطار دبلوماسيتها الإنسانية، أرسلت دولة الإمارات إمدادات غذائية للمتأثرين بالفيضانات في عدة دول إفريقية. وفي دبي، يعقد منتدى «أسبوع الاستثمار في الكاميرون»، في الفترة من 6 إلى 8 ديسمبر. 

وفي هرجيسا، استقبل رئيس أرض الصومال، في 3 ديسمبر، وفداً من شركة موانئ دبي العالمية لمناقشة المشاريع التي نفذتها الشركة في بربرة. وفي أبوظبي، نظم مركز تريندز للبحوث والاستشارات ندوة عن السلام والاستقرار في القرن الإفريقي، في 23 نوفمبر. وقبل ذلك، في كينيا وأوغندا، كانت بعثة تجارية من إمارة الشارقة تستكشف مجالات للتعاون التجاري والصناعي والاستثماري في البلدين.

كل ذلك وغيره يدل دلالةً واضحة على الاهتمام الإماراتي المتزايد بالقارة الإفريقية، وزيادة فعالية سياستها الخارجية تجاه دول القارة؛ والتي ينسقها بتوجيهات من القيادة الرشيدة،  الشيخ شخبوط بن نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير دولة بوزارة الخارجية والتعاون الدولي.

والمحرك الأساسي للسياسة الإماراتية تجاه إفريقيا هو حماية المصالح الإماراتية وتنميتها. وتتلخص المصالح الاقتصادية في التجارة والاستثمارات واستقرار سوق الطاقة العالمي وتأمين الأمن الغذائي. فقد بلغ حجم التجارة الإماراتية مع إفريقيا (2020) نحو 56 بليون دولار. كما أن إفريقيا تُعد من أكثر الأسواق الناشئة الواعدة للاستثمارات الإماراتية، حيث يبلغ حجم سوقها 1.2 مليار نسمة. وتُعد الإمارات ثاني أكبر مستثمر في إفريقيا منذ عام 2016، ولاسيما في قطاعات الطاقة والطاقة المتجددة والبنية التحتية ومجالات الاستثمار التجاري والخدمي، وتستحوذ على 88% من الاستثمارات الخليجية في القارة.

فعلى سبيل المثال، بلغت قيمة استثمارات صندوق أبوظبي للتنمية حوالي 24.6 مليار درهم إماراتي في 40 دولة إفريقية. كما أنّ القارة الإفريقية مهمة في سعي الإمارات للحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي؛ حيث تعد نيجيريا والغابون من أكبر الدول إنتاجاً للنفط، والاستفادة من المواد الخام الطبيعية، خاصة اليورانيوم والبوكسيت والذهب والبلاتين والماس. أضف إلى ذلك أن إفريقيا يمكنها تأمين الأمن الغذائي للدولة سواء عن طريق الواردات الزراعية أو الاستثمارات القائمة في القطاع الزراعي.

أما بالنسبة للمصالح الجيوسياسية لدولة الإمارات، فتتحدد في ضمان أمن الممرات المائية، ولاسيما مضيق باب المندب الذي يمر عبره ما يقدر ب8.3 ملايين برميل من النفط يومياً، ومكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في بحر العرب وخليج عدن والمحيط الهندي، والإسهام في تجفيف منابع الإرهاب في القارة الإفريقية، حتى لا تشكل الأخيرة نقاط تصدير للحركات الإرهابية لدول الخليج العربي عموماً والإمارات خصوصاً، ومواجهة النفوذ المتنامي لقوى إقليمية منافسة أو معادية في القارة، والاستفادة من القوة التصويتية للدول الإفريقية في الأمم المتحدة.

وما فتئت السياسة الخارجية الإماراتية، عن طريق دبلوماسيتها الاقتصادية، ودبلوماسيتها الإنسانية، ووساطتها ومساعيها الحميدة، في بناء دور متنام في القارة الإفريقية. فقد قامت، ولا تزال، بدورٍ مهم في مساعدة الصومال على مكافحة الإرهاب، واستعادة الاستقرار. كما لعبت دوراً رئيساً في تسوية الصراع بين إريتريا وإثيوبيا، وفي الوساطة بين السودان وإثيوبيا، وبذلت مساعيها الحميدة لوقف الصراع في إقليم تيغراي، وتتصدر وساطتها المشهد في مشكلة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر والسودان.

والحقيقة أن هذا التوجه الإماراتي نحو إفريقيا ليس إلا ترجمة واقعية لأهم معالم السياسة الخارجية في مرحلة التعزيز والانطلاق التي يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله؛ حيث التركيز على التنمية الاقتصادية كونها المصلحة الوطنية الأعلى، وكون السياسة الخارجية خادمة للاقتصاد، والدبلوماسية الإنسانية والإسهام في التسوية السلمية للصراعات الدولية، والاقتراب متعدد الطبقات، وتنويع العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، وتعزيز القوة الناعمة للدولة.

* كاتب متخصص في العلاقات الدولية والقضايا الجيوسياسية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق