
ينظر خبراء عسكريون أفارقة وغربيون إلى خطط الإدارة الأميركية لسحب قواتها من الصومال على أنها مجازفة قد تقوض بعض الإنجازات التي تحققت في مواجهة الجهاديين منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 2017 أن بلاده تشكل رأس حربة في مواجهة الإرهاب.
تربك مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسحب قوات بلاده من الصومال، جهود مقديشو المتعثرة في مواجهة حركة الشباب الجهادية التي لا تزال تسيطر على أجزاء من البلاد وتنفذ عمليات نوعية تكبد القوات الأمنية المحلية والأجنبية خسائر فادحة، فيما يحذر خبراء عسكريون من تداعيات هذه الخطوة على أمن الصومال والمنطقة.
وأشارت وسائل إعلام أميركية إلى أن رغبة ترامب في سحب قوات بلاده تسمح له بالوفاء بتعهداته الانتخابية، بإعادة الجنود إلى الوطن، رغم أن المتمردين الموالين للقاعدة لا يزالون يهاجمون الصومال.
وبدأت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) صياغة خطط للرئيس وشملت المناقشات مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، ووزير الدفاع مارك إسبر، ورئيس الأركان المشتركة مارك ميلي.
وللولايات المتحدة حوالي 700 جندي في الصومال، معظمهم من القوات الخاصة يساعدون في تدريب الجيش الصومالي، وأرسلوا معظمهم إلى الصومال خلال رئاسة ترامب.
وتسعى قوات دولية لمساعدة الصوماليين في حربهم ضد الإرهاب وضد حركة الشباب، على غرار الأميركيين الذين يشكلون رأس الحربة في مواجهة الحركة الإرهابية.
ويعبر مراقبون عن مخاوفهم بشأن قدرة الجيش الصومالي المتعثر على الصمود في وجه حركة الشباب المتشددة، إثر رحيل القوات الأميركية وقوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميصوم) المزمع مغادرتها في 2021.
ويرى متابعون أن انسحاب قوات “أميصوم” من الصومال بحلول عام 2021 يظل قرارا يفتقد للرشادة، ذلك لأنّه لا يأخذ في الاعتبار الوضع الأمني المتأزم، فغياب الرؤية الشاملة وما ينبثق عنها من آليات عمل فعّالة لإعادة هيكلة القطاع الأمني الصومالي فضلا عن استمرار الهجمات الإرهابية لحركة الشباب والميليشيات الأخرى المسلحة أمر يزيد المشهد الأمني الصومالي تعقيدا إذا أتمّت القوات انسحابها.
وأقر البنتاغون في عام 2017 خطة لمنح صلاحيات للقوات العسكرية الأميركية بشن حملة ضد حركة الشباب التي تُصنف ضمن الجماعات الإرهابية.
وفسر مراقبون تلك الصلاحيات بأنها إطلاق يد القوات الأميركية في اتخاذ قرار شن الهجمات في أفريقيا ضد حركة الشباب.
وبالرغم من تلقيها ضربات موجعة في السنوات الأخيرة لاسيما بعد طردها من العاصمة مقديشو، إلا أن الحركة المتطرفة لا تزال تنفذ هجمات دموية باتت تؤرق القوات الصومالية والقوات الأميركية.
وتعد حركة الشباب في الصومال واحدة من الحركات الإرهابية التي احتفظت ببيعتها لتنظيم القاعدة، رغم الصعود القوي لتنظيم داعش الإرهابي خلال السنوات الأخيرة، ومبايعته من طرف تنظيمات إرهابية كثيرة في أفريقيا، على غرار جماعة بوكو حرام النيجيرية، إلا أن حركة الشباب ظلت متمسكة بولائها لتنظيم القاعدة، رغم ما أصاب الأخير من وهن وضعف.
وتظهر هجمات حركة الشباب قدرتها على إلحاق أضرار بالغة في الصومال والمنطقة، رغم خسارتها السيطرة على مناطق مدنية رئيسية في الصومال.
وخسرت حركة الشباب أبرز معاقلها بعد طردها من مقديشو في عام 2011، إلا أنها لا تزال تسيطر على مناطق ريفية واسعة تقود انطلاقا منها حرب عصابات وتنفذ هجمات انتحارية.
وتتعارض مساعي الانسحاب من الصومال مع تقارير أميركية حكومية تؤكد أن الجيش الصومالي غير قادر على مواجهة الحركة الجهادية.
وفي يونيو 2020، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها الصادر حول الإرهاب للعام 2019، أن الجيش الصومالي لا يزال عاجزا عن طرد حركة الشباب من معاقلها، ما أتاح للحركة الإرهابية إحكام سيطرتها على أجزاء كبيرة من البلاد.
وأشار التقرير إلى أن حركة الشباب نفذت في العام الماضي فقط أكثر من 1000 هجوم داخل الأراضي الصومالية وشمال كينيا، مضيفا أن الحركة حاليا يتراوح عدد عناصرها الإرهابية ما بين خمسة آلاف وتسعة آلاف. ويضيف التقرير أن حركة الشباب تمول عملياتها الإرهابية من خلال “إنتاج وتصدير الفحم غير القانوني، وفرض الضرائب على السكان والشركات المحلية، وعن طريق التحويلات المالية والتحويلات المالية الأخرى من الشتات الصومالي”.
ويعتمد الجيش الصومالي على المساعدة العسكرية من قوات الاتحاد الأفريقي (أميصوم) والقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) التي تقدم الدعم له حتى في المعارك البرية.
لكن التقرير لم يذكر الحملة المكثفة للهجمات الجوية التي شنتها القيادة الأميركية في أفريقيا على أهداف حركة الشباب، حيث نفذت أفريكوم 63 ضربة من هذا النوع عام 2019، مقارنة بـ47 في 2018 و35 في 2017.
وبحسب التقرير فإن حكومة مقديشو قد فشلت في تنفيذ الجوانب الرئيسية للإصلاحات الأمنية، وهي خطوة تزيد من عرقلة الجهود المبذولة لتمكين الجيش الوطني من مواجهة إرهاب حركة الشباب القاعدية. ويشير التقرير إلى أن المسؤولين العسكريين الصوماليين “فشلوا في تنفيذ إصلاحات الأمن القومي الحيوية وتمرير التشريعات التي يمكن أن تساعد في تعزيز قدرة الحكومة على تأمين الحكم بشكل فعال على جميع المستويات”.
وكان تقرير داخلي خلص في 2007 إلى أن الجيش الوطني الصومالي “قوة هشة تمتلك هرم قيادة وقدرات عسكرية ضعيفة جدا”. وفي السنة نفسها علّقت الولايات المتحدة مساعدتها للجيش الصومالي بسبب شبهات في عمليات احتيال.
ويرى المحللون أن الدعم الأميركي لمحاولة إصلاح وهيكلة قوات الأمن في مقديشو مع أنه مهم لا يغيّر الواقع الحزين جذريا وهو أن الجيش الصومالي ليس مستعدا لضمان أمن بلد غرق في الفوضى منذ 1991.
وقال نات بريدن، مؤسس المجموعة الفكرية “ساهان”، التي تتخذ من نيروبي مقرا لها، “إنه جيش بالاسم فقط”.