افريقيا و العالمالرئيسية

التغلغل الروسي يطوق النفوذ الجزائري في أفريقيا

حققت موسكو منذ نحو ثلاث سنوات اختراقات نوعية في مسرح النفوذ التقليدي لفرنسا في أفريقيا، مستغلة انهيار صورة مهمة برخان الفرنسية التي لم تعد شريكا موثوقا لدول الساحل الأفريقي في مكافحة الإرهاب.
ومنذ العام 2016، استغلت موسكو تزايد متاعب فرنسا في دول الساحل الأفريقي لتصبح فاعلا رئيسيا في دولة أفريقيا الوسطى، عندما قررت فرنسا إنهاء وجودها العسكري في هذه الدولة، ضمن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار “مينوسكا”.
ومع تزايد التوتر بين السلطات الانتقالية الحالية في مالي وفرنسا، ازدادت الاتصالات بين موسكو وباماكو في الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع تقارير غير رسمية تفيد بمفاوضات جادة باتجاه توقيع صفقة أمنية بين الحكومة المالية ومرتزقة فاغنر، وهي مؤسسة أمنية روسية خاصة.
وبينما يبدو النفوذ الروسي المتزايد في ظاهره منافسا لما بقي من الوجود الفرنسي في المنطقة، يقول محللون إنه في الأساس سيطوّق النفوذ الجزائري في الساحل.
وتراهن الجزائر التي توترت العلاقات بينها وبين حليفتها باريس، وتشهد توترات دبلوماسية متنامية مع جارتها المغرب وتراجع نفوذها في الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، على مشاريع اقتصادية وتعاونها مع دول العمق الأفريقي لتعويض سنوات من الفتور.
وتعمل منذ سنوات على فتح العديد من المعابر الحدودية لتقوية المبادلات التجارية مع دول الجوار، وتضع منطقة الساحل كبوابة لولوج أفريقيا اقتصاديا، عبر عدد من المشاريع الكبرى ومنها خاصة الطريق العابر للصحراء، والذي سيستغل بشكل كامل، عقب بناء ميناء الحمدانية بمدينة شرشال، بمحافظة تيبازة، والذي يربط ست دول (الجزائر وتونس والنيجر ونيجيريا ومالي وتشاد)، وسيكون مضاعفا بخط أنابيب لتصدير الغاز النيجيري، وبخط آخر للألياف البصرية يربط الجزائر بنيجيريا.
لكن هذه الرهانات قد تصطدم بالنفوذ الروسي المتزايد في المنطقة، فرغم تنامي اهتمامها بتعزيز حضورها الاقتصادي وتأثيرها الدبلوماسي في العمق الأفريقي، لم تغير الجزائر المحددات الرئيسية لسياستها الخارجية تجاه جيرانها، وفيما تدعم موسكو الدول الأفريقية المضطربة بمرتزقة فاغنر، تلتزم الجزائر باتباع مقاربة سياسية ناعمة، تؤكد من خلالها رفضها التدخل في المسائل الداخلية للدول الأفريقية.
وتتمتع الجزائر بنفوذ كبير في شمال مالي، ومنذ الانقلاب الأول الذي قاده العقيد عاصمي غويتا في باماكو، عبّرت السلطات الجزائرية عن مساندتها للسلطات والشعب المالي في “المرحلة الدقيقة من عمر البلاد”، وطالبت بتقليص الفترة الانتقالية إلى أقصر مدة ممكنة.
وعرفت علاقات الجزائر ومالي مع فرنسا تدهورا غير مسبوق منذ أكتوبر الماضي، بسبب تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتقاطع تأزم علاقات الجزائر ومالي مع فرنسا مع الدعم الدبلوماسي الروسي للسلطات الانتقالية المالية. وفي الوقت الذي انتظر المتابعون للشأن الأفريقي تدخل الجزائر لتعويض تراجع النفوذ الفرنسي في باماكو، لم تقدم الجزائر على تلك الخطوة وتركت الساحة فارغة أمام مرتزقة روس.
وكانت بعض التقارير ألمحت بعد إدراج بند جديد في دستور الجزائر، نص على إمكانية إرسال وحدات قتالية إلى الخارج شريطة موافقة البرلمان، إلى إمكانية التدخل عسكريا في الساحل الأفريقي، لكن الرئيس عبدالمجيد تبون أوضح أن الأمر غير مطروح بعدُ.
وعلى الجانب المقابل، وبالرغم من التهديدات والضغوط الفرنسية بفرض عقوبات على الحكومة في مالي، إذا وقّعت اتفاقا مع مرتزقة فاغنر، فإن باماكو كثفت نشاطها الدبلوماسي مع روسيا عبر زيارة وزير الخارجية عبدو لاي ديوب لموسكو في نوفمبر الماضي، واستقباله السفير الروسي لدى بلاده في الثالث والعشرين من الشهر نفسه.
وقال ديوب خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف “كلما واجه بلدنا وضعا صعبا وقفت روسيا إلى جانبنا وساعدتنا ودعمتنا. والآن نمر بمثل هذا الوضع الصعب والمعقد، ولذلك قد نطلب المساعدة من صديقنا”.
وفتح انسجام مواقف الجزائر وروسيا تجاه القيادة الانتقالية في مالي، مقابل الموقف الفرنسي المناهض، الباب أمام إمكانية رؤية تقارب أو تنسيق بين الجزائر وموسكو، ورؤية تواجد روسي في الساحل بترحيب جزائري، إلا أن خيارات السياسية الخارجية للبلدين تفرض واقعا آخر عكس هذه التكهنات.
في الوقت الذي انتظر المتابعون للشأن الأفريقي تدخل الجزائر لتعويض تراجع النفوذ الفرنسي في باماكو، تركت الساحة فارغة أمام مرتزقة روس
وبالنسبة للخبير في الشؤون العسكرية أكرم خريف “يمكن القول إن المقاربة الجزائرية – الروسية هي نفسها، والتي ترمي إلى إخلاء سبيل أفريقيا من النفوذ الفرنسي، إلا أنه يستبعد تحالفا بين القوتين”.
وأضاف خريف “لا يمكن الحديث عن وجود روسي في الساحل أو في مالي، لأن الحديث يدور عن وجود فاغنر، وهي لا تمثل روسيا الرسمية. وبالتالي لا يمكن إقحام الجزائر كحليف أو كوسيط أو أي شيء آخر”.
ومطلع أكتوبر الماضي، فندت الخارجية الجزائرية ما ذكره موقع “موندافرايك” الإخباري الفرنسي عن أن الجزائر اتفقت مع السلطات المالية على تمويل عمليات جلب ميليشيات “فاغنر” الروسية.
وقالت الخارجية الجزائرية في بيان إن هذه “الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وصدرت من طرف وسيلة إعلامية معروفة بولائها لمصالح المديرية العامة للأمن الخارجي التابعة للاستخبارات الفرنسية، التي يقودها السفير السابق بالجزائر برنار إيميي”.

ووفق خريف، فإن “التغلغل الروسي لا يحتاج الجزائر. روسيا لديها استراتيجية في أفريقيا تقوم على ملء الفراغات التي تتركها فرنسا، ولا أظن أنها تريد إرسال قوات لتسيطر على مناطق في أفريقيا، ولذلك ترسل مؤسسات مثل فاغنر المعروفة بخفتها اللوجستية والتي لا تحتاج إلى أي دعم من الخارج”.
وتابع “رغم أن الوضع الذي بات عليه التواجد الفرنسي في مالي والساحل عموما يثير ضحك الجزائر، لكن من المستبعد نشأة تحالف ثلاثي: الجزائر – فاغنر – مالي”.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة ورقلة جنوبي الجزائر مخلوف كاهي أنه “لا يمكن الحديث عن تنسيق جزائري – روسي في المنطقة، نظرا لاختلاف المصالح والاستراتيجيات”.
وأردف أن “استراتيجية الجزائر قائمة على اعتماد الحوار لحل الأزمات، بينما روسيا تدعم طرفا على حساب آخر وتدعمه بالسلاح”.
ونجحت روسيا بالفعل في ملء الفراغ الذي خلفته فرنسا في أفريقيا الوسطة، لأنها تقدم العديد من المصالح لقادة أفريقيا الوسطى، حيث قدمت دعما سخيا من الأسلحة والمرتزقة، وعرضت خبراتها الكبرى في مجالي المناجم والنفط. في المقابل، لم تحظ الجزائر بعدُ بنفوذ واسع هناك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق