روايات غربية تصور العرب والأفارقة مهووسين بالجنس والعنف واللذة

كتب – محمد الحمامصي
يواصل الناقد المغربي محمد المسعودي تتبعه لمسارات الرواية العربية والغربية معا، بحثا عن جماليات رؤاها وأفكارها ومعالجاتها لقضايا الإنسان، خاصة مع التطورات التي ضربت العالم شرقا وغربا سواء على مستوى التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أو إشكاليات الصراع والنزاعات المرتبطة بالاختلافات الفكرية والثقافية والمذهبية.
في كتابه السابق “فتنة التأويل في قراءة متخيل الرواية العربية الجديدة” قدم الناقد محمد المسعودي قراءات كاشفة لفتنة الحكي وطرق تشكل المتخيل الروائي وأشكال تمثل الحياة وحقائق الوجود والإنسان في عدد من الروايات العربية.
وفي كتابه الجديد “الرواية والإنسان ومتاهة الحضارة”، الذي يعد بمثابة جزء ثان للكتاب السابق، يسعى لاستكمال رؤاه حول عمل الرواية سواء عربية أو غربية على تمثيل الإنسان والحياة وتقديم رؤاها عن الوجود وتفاعل الإنسان معه، ومع وضعه الحضاري، وشرطه الإنساني في تحولاته وتبدلاته صعودا وهبوطا، نجاحا وفشلا، سلما وحربا، رخاء وأزمة.
رؤية الآخر
يشتغل المسعودي في كتابه، الصادر عن كتوبيا للنشر، على روايات أجنبية منها “الموسيقي الأعمى” لكورولينكو، و”الحشائش تغني” لدوريس ليسنج، و”الرجل الذي روى الحكايات” لباتريسيا هايسمث، و”شارع اللصوص” لماتياس إينار، و”راوي مراكش” لجويديب روي باتاجاريا، و”رأس داماشيرو منتيرو” لأنطونيو تابوكي، وغيرها.
أما من الروايات العربية فنجد “الحياة من دوني” لعائشة البصري، و”حي الأمريكان” لجبور الدويهي، و”منشدو كولونيا” لصلاح عبداللطيف، و”الحاج ألمان: غيوم الريف” لإبراهيم أحمد عيسى، و”الإسكندرية في غيمة” لإبراهيم عبدالمجيد، و”طوق الحمام” لرجاء عالم، و”لهو الأبالسة” لسهير المصادفة، و”الرماد الذي غسل الماء” لعزالدين جلاوجي، و”حياة معلقة” لعاطف أبوسيف، و”مخلفات الزوابع الأخيرة” لجمال ناجي، و”عجائب بغداد” لوارد بدر السالم، و”ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور، وغيرها.
يشير المسعودي إلى أن الجامع بين هذه القراءات التي كُتبت على فترات متقاربة زمنيا يتمثل في انطلاقها من هواجس نقدية متقاربة وانشغالات فكرية بدأت جذورها تتبلور بدءا من كتاباته الأولى واستمرت حتى الآن.
ويقول “تناولت هذه القراءات إشكالات تتعلق برؤية المبدعين للإنسان وإشكالاته الوجودية والحياتية، والتباس الواقع الاجتماعي وتأثره بالتحولات السياسية والتاريخية، ووضع الإنسان في ظل الحروب واختلالات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. كما تناولت هذه القراءات لغز العمران وتشكلاته الحضارية والإنسانية وواقعه في العالم العربي، كما اهتمت بإشكالات الهوية والتحولات الحضارية، وتبدل الهوية من أفق معالجة التاريخ، وتداعياته الراهنة، هذا إضافة إلى تناول جوانب أخرى ترتبط بالثقافة الشعبية ومدى توظيفها في بناء المتخيل الروائي، ورؤية الآخر للأنا العربي/ المغربي أو الآخر الأفريقي، وقضايا الإرهاب، والجريمة في بيئات عربية أو أفريقية، وتمثلات الروائي الغربي وغير الغربي عن بلاد أخرى.. وعديد من القضايا الجديدة التي يطرحها فن الرواية”.
من القضايا التي اشتغل عليها المسعودي قضية “الكتابة الروائية وكسر الحدود، تمثل هوية الآخر في روايات غربية”، حيث يرى أن النقد الأدبي العربي المعاصر دأب على تناول أشكال نظر “الأنا العربية إلى الآخر وتمثل هويته، منذ فترات مبكرة، وتطوَّر البحث في هذا المجال خاصة مع النقد الثقافي، وما بلوره من رؤى تتعلق بقضايا تمثل الأدب لثقافة الآخر في تجلياتها المختلفة، غير أن النقاد العرب نادرا ما وقفوا عند تمثل ‘الأنا الغربي’ لثقافة الشعوب الأخرى ومعالجة قضاياها إبداعيا، منذ محاولات إدوارد سعيد في ‘الاستشراق’ و’الثقافة والإمبريالية’، أو في مقالات متفرقة لنقاد اتخذوا من الدراسات الثقافية منطلقا لتناول الموضوع احتضنتها بعض المجلات العربية وبعض الكتب الجماعية”.
وانطلاقا من ذلك اشتغل الناقد من خلال بعض النصوص الروائية المنتمية إلى ثقافات غير عربية على الكشف عن رؤية الآخر إلى العربي، أو الأفريقي، في إطار الوعي بأهمية كسر الحدود والانفتاح على ثقافات الآخر غير الغربي ومعاناته، متخذا من بعض الروايات الصادرة حديثا منطلقا لبلورة قراءتها الخاصة لإشكال كسر الحدود وتواصل الإبداع مع ما يقع الآن، وخاصة ما طرأ من تغير على مفهومي الآخر والهوية في ظل ثقافة عصر العولمة. والنصوص هي: “شارع اللصوص” لماتياس إينار، و”راوي مراكش” لجويديب روي باتاجاريا، و”لا تقولي إنك خائفة” لجوزبه كاتوتسيلا.
العربي المهووس
يوضح المسعودي أن رواية “شارع اللصوص” للروائي الفرنسي ماتياس إينار تتخذ مدينة طنجة فضاء أولا لأحداثها، ثم تعبر الحدود نحو برشلونة. وبطل الرواية أو شخصيتها المحورية هو شاب مغربي/ طنجاوي يحيا ظروفا مختلة. فهو طالب يمضي أيامه في مركز “جماعة نشر الفكر القرآني”، وهي إحدى الجماعات التي تتبنى الفكر الجهادي وتُكوِّن الشباب لممارسة “التطرف والإرهاب”، كما سيكتشف البطل لاحقا، ونكتشف معه، لكنه كان يجد في صديقه بسام والشيخ نورالدين عونا على صعوبات الحياة، على الرغم من أنهما يحملان الفكر الإرهابي.
ويقر الناقد بأن من يقرأ الرواية يجد فيها مادة خصبة لتجلية نظرة الغربي إلى المغربي وثقافته وطبيعته التكوينية المتناقضة، حيث تقف طويلا عند هوس الشباب بالجنس والعنف، وتبين توزعهم بين الواجب الديني ودواعي الجسد ورغباته. كما لم يغب عنها انشغال الشباب المغربي بإشكال الهوية ومآزقه في زمن اختلطت فيه الأشياء، وصارت الحدود منفتحة لا تقبل الانغلاق الثقافي، وصارت فيه حقيقة الإنسان المسلم/ المغربي وغير المغربي غير واضحة المعالم. لكن يبقى السؤال الذي يلح علينا ونحن نقرأ الرواية هو: هل سلم طرحها من شرك الصور النمطية التي تصنعها وسائل الإعلام، وكرستها النظرة الاستشراقية/الاستعمارية منذ بداياتها؟”.
ويضيف أن “الرواية تقدم صورة فيها الكثير من رواسب نظرة الغربي -التي تشكلت منذ القدم- إلى المغربي/ العربي باعتباره مثالا لحب الشهوة والملذات الجسدية، وأنه مشروع قاتل/ أو إرهابي ‘بالمصطلح الحديث’. ومن هنا كانت الشخصية المحورية في الرواية على الرغم من تكوينها الثقافي المتوازن، ووداعتها، وانغماسها في علاقات حب رومانسية، لا تسلم من إدانة السارد ونظرته النمطية للإنسان المغربي/ المسلم”.
وعلى الرغم من أن الروائي استعمل ضمير المتكلم ليجعل بطله هو السارد، وليوحي بأن الرؤية التي تجسدها الرواية هي رؤية الشاب المغربي، غير أن قارئ الرواية يدرك، وبيسر، أن الرؤية لواقع المغربي ولانتشار التطرف والإرهاب تستند إلى خلفية المؤلف ونظرته، وأنها تنبثق من حمولته الثقافية والفكرية لا حمولة الشباب المغربي.
ومن ثم لم تسلم من النظرة الاستشراقية المكرسة ومن الدعاية الإعلامية الموجهة. وبهذه الكيفية لم تتمكن “ثقافة كسر الحدود” والانفتاح التي بشر بها عصر العولمة وما بعد الحداثة من تأدية دورها لدى الكاتب، فكانت روايته، على الرغم من سعيها للإمساك بطبيعة الشباب المغربي الحديث ومعاناته ومآزقه وتوزعه بين ملذات الحياة والوازع الديني، خاضعة لمنظور المؤلف ووجهة نظره الفرنسية الجذور.

ويتابع المسعودي “لعل نفس الأمر نلقاه في رواية ‘راوي مراكش’ للروائي الهندي جويديب روي باتاجاريا الذي جعل من فضاء جامع الفناء بمراكش مدار أحداث روايته، وجعل بطل الرواية، أو شخصيتها المحورية، هو الراوي حسن الذي يتخذ من حكي القصص وسيلة لإعالة نفسه وأسرته. وفي الساحة الشهيرة وما يحيط بها من فضاءات تجري وقائع الرواية وأحداثُها البارزة. وكان الحدث المميز الذي استأثر بحديث الراوي وغيره من رواة حلقة حسن، وشخصيات الرواية، هو حدث اختفاء زوجين أجنبيين: امرأة بيضاء فاتنة بهرت كل من رآها، أو تواصل معها. ورجل أسمر، كاتب، من أصل هندي، لفت الأنظار بدوره، بشكله وهيأته، وبتعامله الإنساني الراقي مع المرأة، ومع كل من تعامل معهم في فضاء ساحة جامع الفناء”.
ويوضح الناقد أنه بهذه الشاكلة يجعل السارد من الإنسان الغربي نموذجا لسلوك راق، وتعامل إنساني قويم، وثقافة تؤمن بالحرية والاختلاف، في التصرف مع من يتفاعل معهم. لكن بالمقابل نجده يقدم صورة نمطية للإنسان المغربي، لا تختلف كليا عن نظرة الإنسان الأوروبي، على الرغم من أن الكاتب من أصل هندي، ومن بيئة أكثر تخلفا من المغرب. وهكذا كان المغربي في الرواية مثالا للرذائل والجريمة والاحتيال والسرقة والكذب والخديعة، وغيرها من المثالب التي أُلصقت بالمسلم والعربي عبر تاريخ الصراع العربي/ الأوروبي.
ولم تفد ثقافة عصر العولمة وفكر ما بعد الحداثة وتمثلات الدراسات الثقافية الجديدة الروائي في شيء، فكانت روايته كاسرة لمفهوم الاختلاف، وضاربة عرض الحائط بقيم التعدد والتنوع.
وبهذه الشاكلة غلبت على الروائي نظرة الغرب إلى الآخر، ولم يتمكن من التحرر من هيمنة الرؤية الأوروبية/ الأميركية إلى الآخر، وهو هنا المغربي/ المسلم. وعلى الرغم من أن الرواية توهم قارئها بديمقراطية كاتبها، لأنه أسند الحكي إلى راو مغربي أساس هو حسن، يسعفه على سرد الأحداث رواة مغاربة آخرون، وبذلك تعددت وجهات النظر حول اختفاء الأجنبيين، إلا أن هذه اللعبة الفنية تخفي الصوت الأحادي للكاتب الذي ينطق من خلال شخصياته، ويقدم صورة مثالية تذكر بآلهة الأولمب للمرأة والرجل الأجنبيين، بينما تبدو صورة المغربي كالحة المعالم، تشوبها النقائص والمثالب.
ويلفت إلى أن الكاتب الإيطالي جوزبه كاتوتسيلا ذهب إلى منطقة أخرى من أفريقيا هي الصومال، واتخذ من مدينة مقديشو فضاء لأحداث روايته “لا تقولي إنك خائفة”، حيث ركز على تصوير معاناة الشعب الصومالي في ظل الصراع الطائفي والديني، من خلال رصد تحركات بطلته الطفلة الصغيرة سامية وصديقها علي ابن الجيران الذي يشاركها براءة الطفولة وشقاوتها.
ومن خلال منظور بطلته يصور الكاتب مدى مظاهر بؤس الصومال وتدهور حالة الإنسان في هذا البلد المسلم، كما يقف عند الجذور القبلية للصراع الطائفي والديني فيه. غير أن قارئ الرواية يدرك أن ما يتحدث عنه الكاتب، وما يبلوره من آراء حول واقع الصومال، يتجلى من خلال رؤية بطلته سامية، وأن آراءها هي آراء الكاتب، إلا أن هذه النظرة تبقى نظرة الشخصية المحورية في الرواية، عكس ما ألفينا في العملين السابقين.
ويقول المسعودي “إذا كانت روايتي إينار وباتاجاريا قد كشفتا عن أمر طالما لوحظ في الرواية الغربية التي تُكتب عن الشرق، وبالأخص عن البلاد العربية الإسلامية، وهو الكتابة عن نماذج بشرية غريبة وغير مألوفة تكوينا وشخصية، فإن رواية كاتوتسيلا قد وقفت عند نموذج إنساني واقعي الملامح بالغ الطموح يتميز بالإيجابية في السلوك والفكر والمشاعر والأحاسيس، يتمثل في الصغيرة سامية وهي تحارب من أجل أن تصير بطلة أولمبية في الجري لتمثل بلدها، وتكون أداة للدعوة إلى الحرية والسلام في بلدها”.
وبذلك تكون رواية “لا تقولي إنك خائفة”، في رأيه، من النماذج الروائية الغربية القليلة التي نجحت في تقديم صورة صادقة غير مزيفة لسلوكات المسلم وعقليته، وقدمته في صورة إيجابية إنسانية راقية، ويستحضر في هذا السياق أيضا رواية “السيد إبراهيم وأزهار القرآن” للروائي الفرنسي إيريك إيمانويل شميدت.
وإذا كان كل من ماتياس إينار وروي باتاجاريا لم يسلما من نظرة الاستعلاء الغربية في تعاملهما مع شخصياتهما، وتصويرهما لطبيعة ما يجري في الفضاء المغربي الذي اختاراه لأحداث روايتيهما، فإن الروائي الإيطالي جوزبه كاتوتسيلا لم يسقط في ذلك؛ فنظرته الغربية وخلفيته الثقافية والفكرية لم تتحكما في تحريكه لشخصياته وتصويره لما جرى ويجري في الصومال. وقد جعل بطلته، العداءة الصومالية، تنقل معاناتها ومعاناة أسرتها، بعد مقتل والدها، نقلا فيه الكثير من المصداقية والدقة. وكانت سامية قادرة، من خلال ما ترويه، على كشف طبيعة الصراع ومدى تجذر الفكر الإرهابي للقاعدة والمحاكم الإسلامية في المجتمع الصومالي وبجنوب البلاد خاصة.
انطلاقا من كل ما سبق يؤكد المسعودي أن “نظرة المركزية الأوروبية متحكمة في جل الإبداع الغربي أو المتأثر بالثقافة الغربية الذي يوهمنا بأن المثقف الغربي يتفاعل معنا فعلا ويتعاطف مع قضايانا، بينما لا يتمكن حقيقة من تمثل قيم التسامح والتفاهم، ومعاني التعدد والاختلاف في كتابته أو إبداعه. وفي الغالب يتجه الروائي الغربي إلى استثمار وجهة نظر وسائل إعلام بلده أو ثقافته التي تجد جذورها في الإرث الاستعماري وأيديولوجيته دون وعي منه، أو بوعي ماكر”.
ويضيف “هكذا وجدنا الروايات الثلاث التي اشتغلنا بها تتفاوت في تقديم صورة موضوعية عن المغربي/المسلم أو الصومالي، فبينما قدمت روايتا ماتياس إينار وروي باتاجاريا تمثلات ثقافية مهتزة ضحلة تكرس وجهة نظر الإعلام الغربي وثقافته الموروثة عن عقلية الهيمنة والاستعمار، استطاعت رواية جوزبه كاتوتسيلا أن تكون موضوعية في اقترابها من الآخر وكسر الحدود إبداعيا، ومن حيث تفاعلها الإنساني مع الآخر/ الصومالي المسلم”.
*كاتب مصري